من كتب الشيخ

❱❱ ذهاب إلى المكتبة

أيها المنتسبون إلى العلم والدعوة: احذروا التزوير في دين الله، ومنافقة الحكام والعامة، ومداهنة وموالاة المبتدعة والفسقة الطغام اللئام2015-08-21

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها المنتسبون إلى العلم والدعوة:
احذروا التزوير في دين الله، ومنافقة الحكام والعامة، ومداهنة وموالاة المبتدعة والفسقة الطغام اللئام

من الأمور التي عمت بها البلوى في هذا العصر، وعظمت بها الفتنة، سلوك بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة لأسلوب التنازلات والمساومات للثوابت والمسلمات، تارة عن طريق التزوير والتبديل في دين الله، وتارة عن طريق منافقة الحكام والعوام، وتارة عن طريق مداهنة وموالاة المبتدعة والفسقة المجاهرين بذلك الداعين لما هنالك، وتارة اتباعاً للزلات والهفوات التي صدرت من بعض أهل العلم.
مع يقيننا التام أن هذه التصرفات ليست كلها ناتجة عن سوء قصد وفساد طوية، إذ هدف البعض من ذلك التجميع واللملمة، ويهدف آخرون لتحقيق المصالح الشخصية الآنية، وآخرون بسبب جهلهم وغفلتهم عن المخاطر العظيمة والمآلات الوخيمة لهذا السلوك المشين والتصرف اللئيم دنيا وأخرى، وغير ذلك من الأسباب والدوافع.
رحم الله القائل: اسكت بحلم أو تكلم بعلم، فمن لم يمكنه الكلام يسعه السكوت والصمت: "فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت".
نماذج لهذا التزوير، والمنافقة، والمداهنة، والموالاة، قديماً وحديثاً:
هذه الأساليب المشينة حديثة قديمة، وسنشير إلى نماذج منها قديماً وحديثاً للعظة والاعتبار، ولعل بعض الأحياء يوفق للرجوع مما قال، فالرجوع إلى الحق فضيلة، والإصرار على الباطل خطيئة ورذيلة، وليكن لهؤلاء في سلفهم الصالح القدوة الحسنة والأسوة الطيبة.
أولاً: النماذج القديمة
سنمثل ببعض النماذج لما صدر من أهل الأهواء قديماً إذ من العسير الإحاطة بكل ما أحدثه هؤلاء. مما يحمد ويشكر أن شيئاً من ذلك لم يصدر من أحد أهل السنة، الفرقة الناجية، تقاوة المسلمين؛ وإنما كله صدر من أهل الأهواء، من معتزلة، وجهمية، ومرجئة، وخوارج، ورافضة، وأشاعرة وماتريدية، من ذلك:
1.    نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه أو أثبتها له أعلم الخلق به، رسوله صلى الله عليه وسلم نحو صفة اليد، والاستواء، والنزول، وغيرها أو تأويلها تأويلاً من غير دليل ولا برهان، ولم يؤثر عن علم من الأعلام. ولهذا قال العلماء: كل تأويل تعطيل، وليس كل تعطيل تأويلاً.
2.    جعلوا العقل حكماً على الوحيين فما قبلته عقولهم قبلوه، وما ردته أهواءهم ردوه.
3.    عدم العمل بأحاديث الآحاد الصحيحة الصريحة التي تلقتها الأمة بالقبول، ولهذا أنكروا رؤية المؤمنين لربهم وشفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر، وعذاب القبر، وحد رجم الزاني المحصن، والردة وغيرها كثير.
4.    بدعة خلق القرآن التي امتحنوا بها الأئمة الأعلام.
5.    التكفير بالمعاصي من غير إنكار وجحود لها.
6.    زعمهم الباطل أن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة والجماعة.
7.    أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة كما قالت المرجئة، وأن إيمان أفسق خلق الله كإيمان جبريل وميكائيل، حيث لم يدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان فجعلوا التكاليف عبثاً.
8.    المقولة الكاذبة الفاجرة: (طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم) كبرت كلمة خرجت من أفواههم إن يقولون إلا كذباً.
هذا قليل من كثير وغيض من فيض.
ثانياً: النماذج الحديثة
لله در القائل: الضلالة كل الضلالة، أن تعرف ما كنت تنكر، وتنكر ما كنت تعرف. وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يكون بعدي رجال يُعَرِّفُونكم ما تُنكرون، ويُنْكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله ولا تعملوا برأيكم").
ورحم الله مالكاً القائل: (ما لم يكون في ذاك اليوم ديناً فلن يكون اليوم ديناً). والقائل: (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها). ومن قبل قال عمر رضي الله عنه: (عليكم بالعتيق). وقال: (لا ينبغي للمؤمن أن يروغ كما يروغ الثعلب).
إي وربي فإن الضلالة التي ليست بعدها ضلالة، أن ينكر المرء ما كان يعرف، ويعرف ما كان ينكر.
أقوال الأئمة المقتدى بهم أمثال؛ أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد يحتج لها بالدليل وليست هي حجة على الدليل.
الحق أحق أن يتبع ولهذا ما كان السلف يتحرجون في الرد على من جانب الحق مهما كانت منزلته.
فقد قال سلمان ابن الإسلام عندما أتم عثمان رضي الله عنه الصلاة الرباعية بمنى متأولاً: مالنا وللمربعة!
وقال علي لابن عباس رضي الله عنهما قبل أن يرجع إلى عدم حل متعة النساء: (إنك امرئ تائه) [مسلم رقم: 3432].
وكان ابن عباس عندما يُناظر في جواز التمتع بالعمرة في أشهر الحج ويحتجون عليه بقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهم أجمعين يقول: (أخشى أن تسقط عليكم حجارة من السماء! أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر!!).
 وقال الإمام أحمد: (أبو ثور كاسمه في إباحته نكاح المجوسيات) [عمدة التفسير جـ4/86].
وقال عن زلته وهفوته في أنه يجوز للمرأة أن تؤم الرجال: (هذا قول سوء). ورحم الله أحمد عندما قال: (لا نزال بخير ما كان في الناس من ينكر علينا) وذلك عندما قيل له: إن عبدالوهاب الورَّاق أنكر عليك كذا وكذا [الآداب الشرعية جـ1/189].
ذكرت هذه الآثار لبيان انه لا أحد أكبر من أن يقال له: اتق الله وأنه لا ينبغي أن يثرب ويلام من نبه وحذر من ذلك.
ولبيان أنه لو كان لا ينكر من قل علمه على من كثر علمه إذاً لتعطل الأمر بالمعروف ولصرنا مثل بني إسرائيل حيث قال الله تعالى عنهم: "كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ" [سورة المائدة: 79].
فمن التزوير والتبديل لدين الله الذي يعتقده بعض الصوفية على سبيل المثال لا الحصر:
1.    العقائد الكفرية مثل؛ عقيدة وحدة الوجود، والاتحاد، والفناء ونحوها.
2.    زعمهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم خلق من نور بل جميع الرسل من آدم ومن بعده خلقوا من نوره، وأنه يرى يقظة  بعد وفاته، وأنه يعلم الغيب، وأنه يحضر الموالد والحوليات وما شاكل ذلك.
3.    الاستغاثة بذات وجاه الأنبياء ومن يعتقدون في صلاحهم.
هذا فيما يتعلق بالعقائد.
أما من أمثلة التزوير والتبديل الذي صدر من بعض الدعاة والمنتسبين إلى العلم في هذا العصر ممن يقتدى بهم ويقلدهم طائفة من المسلمين على سبيل التمثيل لا الحصر في العقيدة والأحكام، كذلك ما يأتي:
1.    دعوة بعض قادة الحركات الإسلامية إلى التقارب بين السنة والشيعة، مبررين لذلك بأن المدى بين الرافضي والسني كالمدى بين المذاهب السنية المتبعة: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، وممن بالغ في ذلك وجهر به الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتبه الأخيرة.
2.    ومن التزوير كذلك الدعوة إلى توحيد الأديان والتقارب بينها.
3.    إباحة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي سامحه الله للملاهي: موسيقى، غناء، تمثيل، سينما، تصوير، وغيرها تقليداً لهفوات وزلات من سبق، وقد سطر ذلك في أسوأ مصنفين خطهما بنانه، هما:
•    (الحلال والحرام) وصدق من وسمه بـ: الحلال والحلال.
•    (فقه الغناء والموسيقى في ضوء القرآن والسنة) وهو أخسهما لأنه أنكر فيه إجماعات أهل العلم المعتبرين في تحريم الموسيقى والغناء وحشاه بكثير من الشبه التي رفعها الإمام ابن حزم والغزالي ونحوهما، التي ردها العلماء ودفعوها بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة.
لقد صادف هذان الكتابان هوى في قلوب من استهوتهم الملاهي فنعقوا بما فيها وأشربتها قلوبهم.
الأولى بالشيخ يوسف أن يتنصل عن إباحة الملاهي وما سطره في هذين الكتابين، وأن يعلن ذلك قبل فوات الأوان، واجتماع الحسرتين: حسرة الفوت والموت. كما تاب وتبرأ جزاه الله خيراً من الدعوة للتقارب بين السنة والشيعة حتى لا يبوء بوزرهما ووزر من قلدوه.
ومن التزوير والتبديل التأويل الباطل لحديث: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان"  الذي قاله الدكتور عصام أحمد البشير كما نقله عنه الباشمهندس الطيب مصطفى ومدحه به، الذي نشر في جريدة (الصيحة) العدد 310 الصادرة يوم الجمعة 9 رمضان 1436هـ الموافق 26 يونيو 2015م بأن المراد باجتماع الدينين هنا أي: لا يَجْتمع سلطانان، وأردف ذلك بأن مفهوم الدين بمعنى السلطة وارد في وقوله تعالى: "مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ" [سورة يوسف: 176]. سبحان الله هذا التأويل ما أنزل الله به من سلطان، ولم يصدر عن عالم معتبر من أهل الإسلام، إذ المراد بالدين في الحديث: الدين الحق، وهو الإسلام لقوله تعالى: "إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ" [سورة آل عمران: 19]. "وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [سورة آل عمران: 85]. وأي دين آخر من الأديان التي حرفت وبدلت ونسخت كاليهودية والنصرانية، أو الأديان والشرائع الأرضية كالشيوعية وغيرها.
فجزيرة العرب هي جزيرة الإسلام، حيث لا يحل أن يوجد معها دين سواه، ولذلك أجلى عمر رضي الله عنه اليهود من تبوك وخيبر في جزيرة العرب عملاً بهذا الحديث، وأي سلطة كانت لليهود عندما أجلاهم عمر وطهر منهم جزيرة العرب؟ بل كانوا أذلاء ضعفاء.
ومن الشبه التي أثارها د. عصام سامحه الله كما نقل عنه الباشمهندس الطيب مصطفى: أن العلماء اختلفوا في تحديد جزيرة العرب!!!!!
فأياً كانت حدودها، ضاقت أم اتسعت، فلا يحل أن تبنى بها كنائس، أو تقام بها قواعد عسكرية للكفار لهذا الحديث ولغيره، والله أعلم.
أيها المنتسبون للعلم اتقوا الله في أنفسكم وفي هذا الدين، واحذروا أسلوب التنازلات والمساومات وأن يؤتى الإسلام من قبلكم خاصة الذين يقتدى بهم ويقلدون، بل من الناس من يعدهم من رسل الوسطية والاعتدال،  فليتق الله هؤلاء كذلك فلا علاقة بين الوسطية والاعتدال، الذي هو منهج أهل السنة والجماعة والدعوات إلى التوفيقية بين الأصل والعصر كما يزعمون التي هي دعوات تلفيقية.
اللهم اهدنا جميعاً لما تحب وترضى، وخذ بنواصينا إلى البر والتقوى،، وردنا إليك رداً جيملاً، واختم لنا بخير واجعل عاقبة أمرنا إلى خير، والحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.



الأمين الحاج محمد أحمد
لعشر ليالٍ بقيت من شوال 1436هـ