من كتب الشيخ

❱❱ ذهاب إلى المكتبة

خُبيب بن عدي رضي الله عنه بليع الأرض2015-08-24

بسم الله الرحمن الرحيم

خُبيب بن عدي رضي الله عنه بليع الأرض

"إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ" [سورة الحج: 38].
الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الرسل أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد:
فمن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، منهم من قضى نحبه ولم ينل من زهرة الحياة الدنيا شيئاً، ومنهم من ينتظر ولم يبدل ويروغ كما يروغ الثعلب.
من هذا النفر القليل والرجال الصالحين الأخيار، الصحابي الجليل، والبطل المقدام، والشجاع الهمام، خُبيب بن عدي الأنصاري رضي الله عنه وعن سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
شهد بدراً كما قال أهل السير، وأُسر يوم الرجيع في السرية التي خرج فيها؛ مرثد بن أبي مرثد، وعاصم بن ثابت، وخالد بن البكير في سبعة نفر فقتلوا وذلك في سنة ثلاث من الهجرة.
وأسر خبيب وزيد بن الدَّثنة، وذهبوا بهما إلى مكة. فاشترى خُبيباً بنو الحارث، وكان خُبيب رضي الله عنه قد قتل أباهم ببدر، وقيل اشتراه غيرهم.
قال ابن عبدالبر في [الاستيعاب جـ2/23] : (قال ابن هشام: فمكث عندهم أسيراً، حتى إذا اجتمعوا على قتله، استعار موسى من إحدى بنات الحارث ليستحد بها - يحلق عانته – فأعارته. قالت: فغفلت عن صبي لي، فدرج إليه – أي مشى الصبي إليه - حتى أتاه، فأخذه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعاً، عرفه فيّ، وفي يده الموسى، فقال أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى. وكانت تقول ما رأيت أسيراً قط خيراً من خُبيب لقد رأيته يأكل من قطف عنب، وما بمكة يومئذ من حديقة، وإنه لموثق في الحديد وما كان إلَّا رزقاً آتاه الله إياه.
قلت: الفضل ما شهدت به الأعداء.
ثم قال ابن شهاب: فخرجوا به من الحرم ليقتلوه.
قلت: كانوا أسروه في الأشهر الحرم، وكانوا يعظمونها في الجاهلية، فلما انقضت خرجوا به إلى الحل إلى التنعيم ليقتلوه.
فلما عزموا على قتله قال: دعوني أصلي ركعتين، ثم قال: لولا أن يروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من صلى ركعتين عند القتل. ثم دعا على المشركين من قريش قائلاً: اللهم احصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
ثم قال كما روى ابن اسحاق:
لَقَدْ جَمَّـــــعَ الأَحْزَابُ حَوْلِـــــــي وَأَلَّبُوا     قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُـــــــــــــــــلَّ مُجَمَّعِ
وَقَدْ قربوا أَبْنَاءَهُـــــــمْ وَنِسَاءَهُــــــــــــــمْ      وَقُرِّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَــــــــــــــــــوِيلٍ مُمَنَّعِ
وكلهــــــــــــــم يبـــــدي العداوة جاهــــداً      علــــــــــــــــيّ لأني في وثــــــاق بمضيع
إلَــــى اللَّهِ أَشْكُـــو كُرْبَتِي بَعْــــــــدَ غُرْبَتِي      وَمَا جَمَّعَ الأَحْزَابُ لِــــــي عند مَصْرَعِي
فَذَا الْعَــــرْشِ صَبَّرْنِـــي عَلَى مَا أصابني      فَقَدْ بَضَّعُوا لـــــــَحْمِي وَقَدْ ضل مَطْمَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلــــــــــــَهِ وَإِنْ يَشَــــــــأْ      يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْـــــــــــــــوٍ مُمَزَّعِ
وقد عّرَّضـــوا بالكٌفرِ والمــــــــوتِ دونه      وقد ذرفت عيناي من غيــــــــــر مدمَعِ
وما بِي حَذَارُ الْمَوْتِ أَنِّــــــــــــي مَيِّتٌ     وَلَكِنْ حَذَارِي حـــــــــــــــر نَارٍ مُلَفَّعِ
فلستُ بمبـــــــــــدٍ للعدوِّ تخشــــــــــــــــعاً      ولا جزعـــــــــــــاً إني إلى الله مرجعي
فَلَسْتُ أُبَالِـــــــــــي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمــــــًا     عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ فِي اللَّهِ مَصْرَعِي
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله.
وقال الحافظ بن حجر في الإصابة: - طبع في مجلد واحد –ص336: (وذكر ابو يوسف في كتاب "اللطائف" عن الضحاك أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل المقداد والزبير في إنزال خُبيب عن خشبته، فوصلا إلى التنعيم، فوجدا  حوله أربعين رجلاً نشاوى – أقوياء – فأنزلاه وحمله الزبير على فرسه، وهو رطب لم يتغير منه شيء، فنذر بهم المشركون، فلما لحقوهم قذفه الزبير، فابتلعته الأرض. فسمي بليع الأرض).
وذكر القيرواني في "حلى العلي": (أن خُبيباً لما قتل جعلوا وجهه إلى غير القبلة، فوجدوه مستقبل القبلة، فأداروه مراراً ثم عجزوا فتركوه).
قلت: وبضدها تتميز الأشياء: عندما أقيم حد الردة على الصوفي الباطني الزنديق محمود محمد طه – ووفق من لقبه بمذموم – في عهد الرئيس نميري رحمه الله وجه إلى جهة القبلة كما حكى من شهدوا ذلك فاستدار عنها لأنه ليس من أهلها. أما خُبيب فهو من أهلها حياً وميتاً، فسبحان من يدافع عن عباده الصالحين، وجنده المخلصين الأحياء منهم والميتين.
أيها المسلمون من كان مستناً فليستن برسول الله وصحبه الكرام ويدع التعلق بالرجال سواهم.
اللهم أرض عن خُبيب وجميع شهداء هذه السرية وسائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعائنه المتتاليات مصحوبة بغضبه على من نال منهم فإنه ليس من الذين قال الله فيهم: "وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ" [سورة الحشر: 10].
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا وأهلينا من الراشدين.

الأمين الحاج محمد أحمد
لست ليالٍ بقين من شهر شوال 1436هـ