من كتب الشيخ

❱❱ ذهاب إلى المكتبة

الرخص الشرعية، والمنح الشتوية2012-04-28

الرخص الشرعية، والمنح الشتوية
     "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه" حديث
أولاً: التيمم

    كيفية التيمم
    الأعذار المبيحة للتيمم
    نواقض التيمم

ثانياً: المسح على الخفين
ثالثاً: المسح على الجوربين مجلدين أو منعلين، أو الغير مجلدين ول منعلين
رابعاً: المسح على العمامة
رابعاً: المسح على العمامة
خامساً: المسح على القلنسوة (الطاقية، الكوفية)
سادساً: المسح على الخمار للمرأة
سابعاً: المسح على الجبيرة والجبص
في الأخذ بهذه الرخص كل امرئ فقيه نفسه

 

 

مما خص به شرعنا الحكيم، وفضل به رسولنا محمد الصادق الأمين، ذو القلب الرحيم، والخلق العظيم، رفع الحرج والمشقة الزائدة عن هذه الأمة. قال تعالى: "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ"[1]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فما كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط، إلا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله تعالى"[2].

لهذا فقد تفضل الله جل وعلا على هذه الأمة برخص شرعية عديدة، ومنح ربانية كثيرة، منها ما يتعلق بالطهارة، ومنها ما يتعلق بالصلاة والصوم والحج والكفارات والحدود، وغيرها.

من العجيب الغريب استنكاف البعض عن تعاطي بعض الرخص الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة نحو التيمم عند الحاجة إليه، وقصر الصلاة الرباعية والجمع في السفر، والفطر للمريض والمسافر، والمسح على الخف والجورب وغير ذلك مع محبة الله عز وجل للإتيان بها عند الحاجة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه"[3].

مع عدم تحرجهم في الأخذ برخص بعض أهل المذاهب، والزلات والهفوات التي صدرت من بعض أهل العلم نحو إباحة الملاهي وغيرها، على الرغم من تحذير أهل العلم عن ذلك.

قال الإمام أحمد رحمه الله: (لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل[4] المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة[5]، لكان فاسقاً)[6].

وقال سليمان التيمي رحمه الله: (من تتبع رخص العلماء وزلاتهم تزندق أو كاد وتجمع فيه الشر كله).

وقال اسماعيل بن اسحاق القاضي المالكي رحمه الله وقد دخل على المعتضد العباسي رحمه الله يوماً فرفع إليه الخليفة كتاباً وطلب منه أن ينظر فيه، وقد جمع فيه صاحبه الرخص من زلل العلماء، بعد أن تأمله: (مصنف هذا زنديق. فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ ـ أي هذه السقطات عن أصحابها ـ، قال: بلى، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر المعتضد بحرق الكتاب)[7].

البعض الآن ليس له همة في العلم، إلا البحث واتفتيش والتنقيب عن الزلات والهفوات، وإشاعتها وبثها بين العامة. فلا يعرف عن ابن حزم رحمه الله ذلك الإمام العظيم إلا أنه أباح الملاهي، وفي أغلب الأحيان يكون النقل عنهم غير صحيح، ومرادهم مما قالوه مخالف لمراد أهل الأهواء، ممن يستدلون بهذه الزلات.

فمثلاً أبو حنيفة رحمه الله أجاز للمرأة ان تكون قاضية بين محارمها، وفي بيتها، في الأموال خاصة لأنها مما عمت بها البلوى، أما الناعقون بهذه الزلة، فقد اجازوا للمرأة أن تتولى القضاء، بل تكون عضواً في محكمة الاستئناف العليا، وتبرز امام جماهير الرجال في كل حين، ومعلوم من دين الله ضرورة أن النساء لا تقبل شهادتهن إلا في الأموال، ومع رجل، وفي الأمور التي لا يطلع عليها الرجال، نحو القابلات.

هذا بجانب أن الله سبحانه وتعالى لم يتعبدنا باختلاف العلماء، إن لم يسنده الدليل. فكيف بالزلات والهفوات التي تصدر من بعضهم؟!

أما بعد...

فهذا تذكير بالرخص الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة، المتعلقة بالطهارة وهي:

1.    التيمم.

2.    المسح على الخفين.

3.    المسح على الجبائر والجبس.

4.    المسح على الجوربين منعلين والغير منعلين.

5.    المسح على العمامة.

6.    المسح على الخمار للمرأة.

7.    المسح على الكوفية، (الطاقية) المغطية لجميع الرأس.

 وما يتعلق بذلك من أحكام وكيفية المسح ومدته سفراً وحضراً واختلاف أهل العلم في ذلك مع الترجيح.

الذي دفعني للتذكير بذلك الآن، دخول فصل الشتاء وشدته في هذا العام، والانخفاض الكبير في درجات الحرارة في كثير من دول العالم، والتنبؤات التي صدرت من بعض علماء الطقس بأن هذا مبشر بعصر جليدي نسأل الله أن يكذب نبوءتهم.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
بداية الصفحة
أولاً: التيمم

من الرخص العظيمة، والآلاء الكريمة، التي تفضل الله بها على عباده، التيمم الذي هو أحد الطهورين لفاقد الماء، أو العاجز عن استعماله لمرض وغيره.

هذه الرخصة العظيمة، من جملة حسنات وبركات آل أبي بكر رضي الله عنهم، حيث شرعت هذه الرخصة بسببهم، فالحمد لله الذي جعل حب أبي بكر وآله سيما الصديقة بنت الصديق عائشة علامة من علامات الإيمان، وبغضهم وشينهم سبباً من جملة أسباب كثيرة في هلاك الشيعة ومن سايرهم من المنافقين اللئام.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء، أو بذات الجيش، انقطع عقد لي فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء؟ قالت: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي.

 فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا. فقال أسيد بن الحضير، وهو أحد النقباء: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته)[8].

لا يعرف الفضل لأهله إلا أهله، صدق أسيد بن الحضير، فما فتئت بركات أبي بكر تترى في الأمة في حياته وبعد وفاته.
تعريف التيمم

التيمم لغة: هو القصد.

التيمم اصطلاحاً: مسح الوجه والكفين، وقيل: واليدين إلى المرفقين، بالصعيد الطاهر، وهو التراب عند الجمهور وأجاز المالكية التيمم. وتوسعوا في ذلك فأجازوا التيمم بالمعادن التي تكون وجه الأرض، كالذهب والفضة والشب والملح والحديد ... إلخ. كما يجوز عندهم التيمم بالثلج والجليد على وجه الأرض أو البحر.
دليل التيمم

من القرآن:  قوله تعالى: "فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ"[9]. وقوله: "وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا"[10].

من السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: "وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً"[11].

الإجماع: ولهذا أجمعت الأمة على مشروعية التيمم بدلاً من الوضوء والغسل في أحوال خاصة.

التيمم من خصائص هذه الأمة: التيمم من خصائص هذه الأمة المرحومة لقوله صلى الله عليه وسلم: "أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي" وذكر منها: "وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً".
كيفية التيمم

قولان لأهل لعلم:

1.    ضربة واحدة للوجه والكفين. هذا مذهب أحمد وراية في مذهب مالك.

وهذا هو الراجح ودليله ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر رضي الله عنهما عندما تمرغ بالتراب، وكان لا يدري كيفية التيمم: "إنما كان يكفيك ضربة واحدة للوجه واليدين" وعند البخاري[12]: "يكفيك الوجه والكفين".

هذا هو الواجب، والأكمل عندهم ضربتان، وإلى المرفقين.

2.    ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين.

وهذا مذهب الأحناف والشافعية. وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" والحديث ضعيف.

وصورته: أن يضع كفيه مبسوطين على التراب، ثم يحتهما حتاً خفيفاً ثم يمسح بهما وجهه وكفيه كما يفعل في الوضوء مرة واحدة.

شروط صحة التيمم وواجباته وسننه كالوضوء تماماً.
الأعذار المبيحة للتيمم

التيمم رخصة للمسافر والمقيم، والرخصة يتعاطاها المرء عند الحاجة. والأعذار التي تبيح التيمم هي:

1.    فقد الماء للمسافر والمقيم إن يحصل عليه ولو بشراء بثمن المثل، أو غلاء يسير.

2.    المرض: والمرض المبيح للتيمم هو الذي إذا خاف الهلاك أو زيادة المرض، باستعمل الماء حسب العادة أو إخطار الطبيب الثقة له بذلك.

3.    البرد الشديد القارس لمن خشي الهلاك، أو حدوث مرض أو زيادته.

4.    العجز عن استعمال الماء: كالمكره والمربوط، والمحبوس والخائف من إنسان أو حيوان مفترس.

5.  الحاجة للماء: من كان عنده ماء قليل خاصة في حال السفر، وخشي إن توضأ به أو اغتسل، احتاجه في المستقبل سواء كان لنفسه، أو لإنسان معصوم الدم، أو لحيوان محترم.

من فقد الماء أو عجز عن استعماله ثم وجده ولو لم يخرج الوقت لا يعيد في أرجح قولي العلماء.
دليل ذلك كله

1.   قوله صلى الله عليه وسلم:"الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته. فإن ذلك خير"[13].

2.  وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أصاب رجلاً جراح في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم احتلم، فأمر بالاغتسال، فاغتسل فمات، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قتلوه قتلهم الله! ألم يكن شفاء العي السؤال؟"[14]).

3.  وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: (احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك! فتيممت، ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "صليت بأصحابك وأنت جنب؟" فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إني سمعت الله يقول: "وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا"[15] فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً)[16].
المتيمم يؤم غيره

يستفاد من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، أنه المتيمم له أن يؤم غيره، سواء كان تيممه لحدث أصغر أم أكبر، ولما خرج البخاري تعليق[17]: (وأم ابن عباس وهو متيمم). المتيمم يصلي بتيممه فرضاً ونفلاً ما لم يحدث في أرجح قولي العلماء.

خرج البخاري تعليقاً: وقال الحسن: (يجزئه التيمم ما لم يحدث)[18].
نواقض التيمم

 ينقض التيمم ما ينقض الوضوء والغسل.
هل التيمم رافع للحدث أم مبيح لأداء الصلاة؟

قولان لأهل العلم، والله أعلم.

فاقد الماء إذا كان يائساً من تحصيله صلى في أول الوقت، وإن لم يكن يائساً من تحصيله صلى في آخر الوقت.

فاقد الطهورين؛ الماء والصعيد، هل الصلاة واجبة عليه ام ساقطة؟ قولان لأهل العلم: الوجوب وهو مذهب الجمهور، وهو الراجح، طالما أنه عاقل، وأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، ساقطة وهذا مذهب مالك.
بداية الصفحة
ثانياً: المسح على الخفين

من الرخص الشرعية الثابتة بالسنة، والإجماع، المسح على الخفين حيث لم يخالف فيها إلا أهل الأهواء الشيعة والخوارج ومن ثم عد المسح على الخفين من الأمور العقدية. وقال أحمد رحمه الله: لا يصلى خلف منكر المسح على الخفين.
تعريف الخف

هو عبارة عن حذاء سميك يغطي القدم إلى ما فوق الكعبين، لا ينفذ منه الماء إلى القدم، صنع من جلد أو غيره. وشرط المالكية أن يكون مصنوعاً من جلد فقط، سواء كان مستمسكاً على القدم بذاته أو بالشد.
كيفية المسح على الخفين

يبل كفيه ثم يمسح بكفه اليمنى القدم اليمنى، وبالكف اليسرى القدم اليسرى، بدءاً من موضع الأصابع إلى نهاية الخف، من أعلى فقط، لقول علي رضي الله عنه: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من اعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه)[19].

استحب المالكية مسح باطن الخف مع أعلاه وهو قول مرجوح للحديث سابق.
دليل مشروعية المسح على الخفين

السنة، والإجماع.
من السنة

1.  عن عبدالله بن عمر عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم عن النبي صل اله عليه وسلم أنه مسح على الخفين. وأن عبدالله بن عمر سأل عمر عن ذلك فقال: (نعم، إذا حدث شيئاً سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تسأل عنه غيره)[20].

2.  وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنه خرج لحاجته فاتبعه المغيرة بإداوة فيها ماء، فصب عليه حين فرغ من حاجته، فتوضأ ومسح على الخفين)[21].

3.    وعن عمرو بن أمية الضَّمْري أن أباه أخبره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين[22].

4.  وعن جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه: (أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: أتفعل هذا؟ قال: نعم، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم: بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه)[23].

وإسلام جرير كان بعد نزول المائدة التي فيها: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ"[24].

وهذا يدل على أن المسح على الخفين لم ينسخ بآية المائدة كما ظن البعض.

لقد روى مشروعية المسح على الخفيين أكثر من ثمانين من الصحابة؛ منهم العشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم جميعاً.
شروط صحة المسح على الخفين من الحدث الأصغر (أما من الحدث الكبر فلا بد من نزعهما والاغتسال)

الشروط المتفق عليها هي:

1.    أن يلبسهما على طهارة.

2.    أن يكون الخف طاهراً.

3.    أن يكون الخف ساتراً للمحل المفروض غسله في الوضوء.

4.    أن لا ينثني عند المشي عليه.

5.    أن يكون سليماً من الخروق إلا اليسير.
مدة المسح على الخفين

يمسح على الخفين لمن لبسهما على طهارة ثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، ولا ينزعان إلا من جنابة، أما من البول والغائط والنواقض الأخرى فلا.

وذلك لما خرجه مسلم عن علي رضي الله عنه قال: (جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوم وليلة للمقيم)[25]. إذا كان سفره سفر طاعة أو مباح أما إن كان سفره سفر معصية فلا يمسح عليهما. ويمنع أيضاً من تعاطي الرخص الشرعية الأخرى.

هذا مذهب الجمهور، ولم يفرق الأحناف والمالكية بين سفر الطاعة وسفر المعصية.

ولم ير المالكية التوقيت والحديث حجة عليهم.
نواقض المسح على الخفين

1.    نواقض الحدث الأكبر.

2.    إذا خلعهما، أو أحدهما.
بداية الصفحة
ثالثاً: المسح على الجوربين مجلدين أو منعلين، أو الغير مجلدين ولا منعلين
تعريف الجوارب[26]

قال في القاموس: الجورب لفافة الجلد، وفي الصحاح: الجورب معرب.. والجمع الجواربة والهاء للعجمة ويقال الجوارب أيضاً.

وقال أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي: الجورب غشاء للقدم من صوف يتخذ للدفاء وهو التسخان.

وقال العيني: الجورب هو الذي يلبسه أهل البلاد الشامية الشديدة البرد، وهو يتخذ من غزل الصوف يلبس في القدم إلى ما فوق الكعب.

قد يصنع من الصوف، أو القطن، أو الكتان، وغيرها.
حكم المسح على الجوارب

رخصة لمن احتاج إليه لشدة برد، أو مرض، ونحوهما.
الجورب الذي يمسح عليه

ذهب أهل العلم في ذلك مذهبين هما:

1.    لا يمسح على الجوربين إلا إذا كانا مجلدين أو منعلين وهذا مذهب الشافعية.

2.  يمسح على الجوربين وإن لم يكونا مجلدين أو منعلين، وهذا هو الراجح للسنة. وعمل جمع من الصحابة من غير نكير.
الدليل

الدليل العمدة في المسح على الجوربين آثار صحت عن جمع من الصحابة منهم اثنان من الخلفاء الراشدين هما عمر وعلي رضي الله عنهما بجانب حديث علل بعلل للمجيزين للمسح على الجوربين فيها نظر. هذا بجانب القياس الصحيح على المسح على الخفين.
الحديث

عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين)[27].
الآثار

قال أبو داود: (ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس)[28].

وقال ابن المنذر: (وروي المسح على الجوربين عن تسعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: علي، وعمار، وأبي مسعود البدري، وأنس، وابن عمر، والبراء، وبلال، وعبدالله بن أبي أوفى، وسهل بن سعد. وزاد أبو داود أبو أمامة، وعمر بن حريث، وعمر، وابن عباس. فهؤلاء ثلاثة عشرصحابياً. والعمدة في الجواز على هؤلاء، لا على حديث[29] أبي قبيس، مع أن المنازعين في المسح متناقضون، فإنهم لو كان هذا الحديث من جانبهم لقالوا: هذه زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة.

والإنصاف أن تكتال لمنازعك بالصاع الذي تكتال به لنفسك، فإن في كل شيء وفاء وتطفيفاً. ونحن لا نرضى هذه الطريقة ولا نعتمد على حديث أبي قبيس. وقد نصَّ أحمد على جواز المسح على الجوربين وعلَّل رواية أبي قبيس. وهذا من إنصافه وعدله رحمه الله. وإنما عمدته هؤلاء الصحابة وصريح القياس، فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر يصح أن يحال الحكم عليه.

والمسح عليهما قول أكثر أهل العلم منهم من سمينا من الصحابة، وأحمد واسحاق بن راهويه، وعبدالله بن المبارك، وسفيان الثوري، وعطاء بن رباح، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وأبو يوسف، ولا نعرف من الصحابة مخالفاً لما سمينا.

وأما حديث أبي موسى الذي أشار إليه أبو داود فرواه البيهقي من حديث عيسى بن يونس عن أبي سنان ـ عيسى بن سنان ـ عن الضحاك بن عبدالرحمن عن أبي موسى قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على النعلين والجوربين).

وهذا الحديث له علتان ذكرهما البيهقي. إحداهما أن الضحاك بن عبدالرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى. والثانية: أن عيسى بن سنان ضعيف).
شروط صحة المسح على الجوربين

1.    أن يكونا ساترين للرجلين المفروض غسلهما.

2.    أن يكونا ممسكين على الرجلين ولا ينثنيان عند المشي حتى لا تظهرالقدمان.

3.    أن يكونا طاهرين.
نواقض المسح على الجوربين

1.    نواقض الحدث الأكبر.

2.    إذا نزعا أو أحدهما.
توقيت المسح على الجوربين

كتوقيت المسح على الخفين سفراً أو حضراً.
بداية الصفحة
رابعاً: المسح على العمامة

من الرخص التي خصت بها هذه الأمة، لمن شاء الإتيان بها، خاصة في حال البرد الشديد، المسح على العمامة.
العمامة التي يمسح عليها

يشترط فيها شروط هي:

1.    أن تكون محيطة بالرأس وممسكة به وعلى كوفية.

2.    أن يلبسها على طهارة.

3.    أن تكون طاهرة وحلالاً.

4.    أن تكون لها ذؤابة.

5.    أن تكون محنكة.

والراجح عدم اشتراط الذؤابة والتحنيك.
كيفية المسح على العمامة [30]

ذهب أهل العلم في ذلك مذهبين:

1.    أن يمسح على العمامة مع ناصيته. وهذا مذهب الجمهور.

2.    يقتصر عليها ولو لم يمسح ناصيته.

وهذا مذهب أبي بكر وعمر، وعمر بن عبدالعزيز، والأوزاعي، والثوري في رواية عنه، وأحمد، واسحاق، وأبي ثور، والطبري، وابن خزيمة وابن المنذر.

وهذا هو الراجح.
دليل الاقتصار على المسح على العمامة دون الناصية

عن جعفر بن عمرو عن أبيه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه)[31].
نواقض المسح على العمامة                   

1.    نواقض الحدث الأكبر.

2.    سقوطها عن الرأس أو بعضه.
بداية الصفحة
خامساً: المسح على القلنسوة (الطاقية، الكوفية)

يقاس على المسح على العمامة المسح على القلنسوة، ويشترط فيها أن تكون محيطة بالرأس، وممسكة به ويشترط فيها وفي نواقضها وتوقيتها ما يشترط في العمامة.
بداية الصفحة
سادساً: المسح على الخمار للمرأة

من الرخص الشرعية كذلك، المسح على الخمار للمرأة فقد ثبت ذلك بالسنة والقياس.

وقد ذهب فيه أهل العلم مذهبين، منهم من رخص فيه لما صح عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه أمر بالمسح على الخفين والخمار"[32]. ولما صح عن أم سلمة رضي الله عنها أنها كانت تمسح على خماره[33] وهذا مذهب أحمد وهذا هو الراجح.

ومنهم من منع منه وهم الجمهور نافع، والنخعي، وحماد بن أبي سليمان، وسعيد بن عبدالعزيز، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي لما روي عن عائشة رضي الله عنها: أنها أدخلت يدها تحت خمارها ومسحت برأسها وقالت: (بهذا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم)[34].
بداية الصفحة
سابعاً: المسح على الجبيرة والجبص

كذلك من الرخص الشرعية التي منحها الله لعباده على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم المسح على الجبائر والجبص، في أعضاء الوضوء والغسل، وغسل ما ليس عليه جبيرة ولا جبص.
بداية الصفحة
في الأخذ بهذه الرخص كل امرئ فقيه نفسه

الرخص مبناها على المشقة، واحتمال الناس للمشقة وتقديرهم لها يختلف من شخص إلى آخر، فما تراه أنت شاق قد يراه غيرك سهلاً، ولهذا ينبغي للمرء أن يفتي نفسه فيها وإن أفتاه المفتون، فكل امرئ فقيه نفسه ومفتيها. ومن ثم فإن تعليل من منع من المسح على العمامة والجورب والخمار بسهولة خلع ذلك فيه نظر.
أكثر المنتفعين من رخص الطهارة هذه صنفان

1.  سكان المناطق الشمالية من العالم كسيبيريا، ودول اسكندنيفيا، والمناطق الجبلية في كشمير وأفغانستان مثلاً حيث تصل درجات الحرارة في الشتاء في بعض الأحيان إلى 30 أو 50 درجة تحت الصفر وتتجمد المياه في البحار والأنهار.

2.    كذلك المرضى وكبار السن.

 وكما قيل:

لا يعرف الشوق إلا من يكابده          ولا الصبابـــة إلا من يعانيهـــا

الحمد لله الكريم المنان ذو العطف والإحسان، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه والتابعين.

 

وكتبه

الأمين الحاج محمد

رئيس الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بالسودان

لسبع عشرة ليلة خلت من صفر 1432هـ

 
بداية الصفحة
 

1.      سورة الحج: 78.

2.      متفق عليه.

3.      أخرجه الطبراني في معجمه الكبير جـ11/323 من حديث ابن عباس وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب جـ2/135.

4.      لم يبح أحد من أهل المدينة السماع إلا زلة صدرت من إبراهيم بن سعد والل يغفر له.

5.      كان يقول بذلك ابن عباس ولكنه رجع عن ذلك فلم يقل بحلها أحد من أهل السنة إلا الرافضة وقال عمر بن عبدالعزيز: (المتعة أخت الزنا).

6.      إرشاد الفحول في تحقيق الحق من علم الأصول ص272.

7.      المصدر السابق.

8.      صحيح البخاري كتاب التيمم باب قوله تعالى: "فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ". رقم: [334].

9.      سورة المائدة: 6.

10.  سورة النساء: 43.

11.  متفق عليه.

12.  صحيح البخاري في كتاب التيمم للوجه والكين رقم: [341].

13.  الترمذي وصححه ووافقه الذهبي عن أبي ذر.

14.  صحيح سنن أبي داود للألباني رقم: [337] وقال: حسن.

15.  سورة النساء: 29.

16.  خرجه البخاري تعليقاً في كتاب التيمم، وصحيح سنن ابي داود للألباني جـ1/100 وقال: صحيح.

17.  في كتاب التيمم باب الصعيد الطيب وضوء لمسلم.

18.  المصدر السابق.

19.  صحيح سنن أبي داود رقم: [162] للألباني وقال: صحيح.

20.  صحيح البخاري كتاب الوضوء باب المسح على الخفين رقم: [202].

21.  المصدر السابق رقم: [203].

22.  المصدر السابق رقم: [204].

23.  سنن ابن ماجه جـ1/102.

24.  سورة المائدة: 6.

25.  مسلم جـ1/232.

26.  انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود لأبي الطيب العظيم أبادي جـ1/180 ـ 181.

27.  صحيح سنن أبي داود للألباني رقم: [159] وقال: صحيح. والترمذي جـ1/167 وقال: حسن صحيح.

28.  عون المعبود جـ1/182.

29.  لأنهم يقولون: شذ عن الثقات الذين رووه عن المغيرة مختصرين على الخفين.

30.  انظر الفتح جـ1/309.

31.  صحيح البخاري كتاب الوضوء رقم: [305].

32.  مسلم جـ1/231 من حديث بلال رضي الله عنه..