من كتب الشيخ

❱❱ ذهاب إلى المكتبة

الجليس الصالح..... وجليس السَّوْء حامل المسك..... ونافخ الكير2011-08-12

                                 الصاحب ساحب
الضلال والهداية، والإيمان والكفر، والإصلاح والإفساد كل هذا وغيره بقضاء الله وقدره، ومع ذلك فنحن مأمورون بالأخذ بالأسباب؛ لأنها هي جزء لا يتجزأ من قدرة الله ومشيئته، وإلاَّ لما تيسر سبب، ولا أُجيب طلب، ولا قضي قرض.
من تلكم الأسباب التي أمرنا بها، وحرضنا عليها، الحرص على مصاحبة ومجالسة المتقين الأخيار، والحذر والبعد من مصاحبة ومجالسة المبتدعة، والحمقى، والفجَّار، وذلك لأن الانسان مدني اجتماعي بطبعه، يؤثر ويتأثر، ولهذا جاء في المثل: (الصاحب ساحب)، إنْ كان خيِّراً سحبك إلى ما فيه صلاحك وفلاحك دنيا وأخرى، وأعانك على نوائب الدهر، ودلك على الصراط المستقيم والنهج القويم، وإنْ كان سوى ذلك فلن تنال من مصاحبته، ومجالسته، ومعاشرته إلاَّ النكد والخسران المبين، والدلالة على سبل الضلال في الدنيا، والندم والحسرة في الآخرة: "الْأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ" [الزخرف: 67.]. كما حكم بذلك رب العالمين، ونطق بذلك القرآن الكريم: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا*يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا*لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا" [الفرقان:26-29.].
فقد جاء في تفسير آية الزخرف: (قوله تعالى: "الْأَخِلاء يَوْمَئِذٍ"، يريد يوم القيامة، "بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ"، أي أعداء، يُعادي بعضهم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاُ، "إِلَّا الْمُتَّقِينَ"، فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة، قال معناه ابن عباس، ومجاهد وغيرهما، وحكى النقاش: أنَّ هذه الآية نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وعقبة بن أبي مُعِيط، كانا خليلين، وكان عقبة يُجالس النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت قريش: قد صبا [وقيل: آمن به وصدقه ولكن ارتدَّ بعد ذلك، انظر الجامع جـ13/25.] عقبة بن أبي مُعِيط، فقال له أمية: وجهي من وجهك حرام إنْ لقيت محمداً ولم تتفل في وجهه، ففعل عقبة ذلك، فنذر النبي صلى الله عليه وسلم قتْلُه، فقتله يوم بدر صبراً [أي نصب للقتل.]، وقتل أمية في المعركة، وفيهم نزلت الاية) [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي جـ16/109.].
والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية عامة في كل مؤمن ومتقٍ، وكافرومضل.
وجاء في تفسير آيات الفرقان السابقة عن ابن عباس و غيره أيضاً: (أنَّ الظالم هاهنا يُراد به عقبة ابن أبي مُعِيط، وأنَّ خليله أمية بن خلف........ وكان عقبة قد همَّ بالإسلام فمنعه منه أُبَيّ، وقيل أخوه أمية) [المصدر السابق جـ13/25.].
لهذا كان من شروط التوبة النصوح، أنْ يعتزل التائب قرناء السَّوْء والأصدقاء الذين كان يمارس معهم التائب المعصية، كما جاء في حديث الذي قتل مائة نفس: "ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على رجل عالم، فقال: إنَّه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟، فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا كذا، فإنَّ بها أناساً يعبدون الله تعالى، فاعبده معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء"، الحديث [متفق عليه، مسلم رقم[2766].]. فقد أمره هذا العالم أنْ يعتزل رفقاء السوء، إنْ كان جاداً في توبته، فانطلق الرجل مهاجراً إلى تلك الأرض الطيبة، فأدركته منيته قبل أنْ يصل إليها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، فقضى فيه ربه لملائكة الرحمة، لصدق نيته، ونصح توبته.
أمَّا التائب الذي لم يزل مع رفقاء السوء، وإخوان الشياطين، فمن العسير أنْ يستمر في توبته، ويظل على استقامته.
لقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً فريداً، عجيباً، رغَّب وحضَّ فيه على مصاحبة الأخيار، ونفَّر وحذر فيه من مجالسة، ومصاحبة الكفار، والفجار فقال: "إنما مثل الجليس الصالح وجليس السَّوْء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إمَّا أنْ يحذيك [يعطيك.]، وإمَّا أنْ تبتاع منه، وإمَّا أنْ تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إمَّا أنْ يحرق ثيابك، وإمَّا أنْ تجد منه ريحاً منتنة" [متفق عليه، مسلم رقم[2026].].
فحامل المسك إمَّا أنْ يصيبك منه كل خير، أقله أنْ تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير أقل خسائرك منه أنْ تجد منه الريح المنتنة، هذا إنْ عافاك الله من حرق الثياب، والكي بالنار.
فكلما كان الصديق والجليس صالحاً، كان نفعه أكبر، وفائدته أعظم، وبضدها تتميز الأشياء، فالجليس والصاحب السَّوْء كلما كان أشد كفراً، وأكثر عناداً، كان ضرره أكبر ومفسدته على من يجالسه، ويُخاويه أعظم.
ما ورد من التحذير من أخلاَّء السَّوْء:
لقد جاء في التحذير من صديق السَّوْء الكثير من الأحاديث والآثار إليك طرفاً منها:
1.    قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصاحب إلاَّ مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلاَّ تقي" [أبو داود رقم[4832[، والترمذي رقم[2395]، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي.]. المراد بذلك طعام الدعوة والوليمة، وليس طعام الحاجة.
2.    وقوله صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" [أبو داود رقم[4833]، وأحمد جـ2/303، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي.].
3.    وقال عمر رضي الله عنه يعظ رجلاً: (لا تتكلم فيما لا يعنيك، واعتزل عدوك، واحذر صديقك الأمين، إلاَّ من يخشى الله ويطيعه، ولا تمش مع الفاجر فيعلمك من فجوره، ولا تطلعه على سرك، ولا تشاور في أمرك إلاَّ الذين يخشون الله).
4.    وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (لا تؤاخ الأحمق ولا الفاجر، أمَّا الأحمق فمدخله ومخرجه شين، وأمَّا الفاجر فيزين لك فعله، ويود أنك مثله).
5.    وعن علي بن الحسين رحمه الله قال: (ينبغي للمرء ألاَّ يصاحب خمسة: الماجن، والكذاب، والأحمق، والبخيل، والجبان. أمَّا الماجن فعيب إنْ دخل عليك، وعيب إنْ خرج من عندك، لا يعين على معادٍ، ويتمنى أنك مثله. وأمَّا الكذاب فإنَّه ينقل أحاديث هؤلاء إلى هؤلاء، ويلقي الشحناء في الصدور. وأمَّا الأحمق فإنه لا يرشد لسوء يصرفه عنك، وربما أراد أنْ ينفعك فيضرك، فبعده خير من قربه، وموته خير من حياته، وأمَّا البخيل فأحوج ما تكون إليه، أبعد ما تكون منه، ففي أشد حالاته يهرب ويدعك).
6.    وقال ابن عبد البر رحمه الله: (شيئان لا يزدادان إلاَّ قلة: درهم حلال، أو أخ في الله تسكن إليه).
7.    وقال الشاعر:
عن المرء لا تسـأل وسل عن قرينه    فكـــــل قريـن بالمقـارن يقتــــــــدي
وصاحب أولى التقوى تنل من تقاهم   ولاتصحب الردى فتردى مع الردى
8.    وقال آخر:
وما ينفع الجربـاء قرب صحيحة       إليهـــــــا ولكن الصحيحــــة تجرب
فالصديق الصالح كم يرشد من ضلالة، ويهدي عن غواية، ويبعد عن حماقة، ويخرج من معضلات، ويفرج من كربات.
فأبو بكر الصديق رضي الله عنه، عندما آمن برسول الله وصدقه، سرعان ما هرع لأصحابه، ودعاهم للإسلام، وفي مقدمتهم: طلحة، وسعد، والزبير، وأبوعبيدة، وعثمان، فكانوا من السابقين للإسلام، ومن المبشرين الفائزين بأعلى الجنان.
حماية الأبناء والأحفاد من قرناء السَّوْء:
من أوجب الواجبات للأبناء والأحفاد على والديهم، حمايتهم من قرناء السَّوْء، والحيلولة بينهم وبين الإختلاط بالسفهاء، والعابثين غير العقلاء.
فالبيئة، والمجتمع، والخلطاء لهم تأثير عجيب إيجابياً كان أم سلبياً، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: "كل مولود يولد على الفطرة [أي الإسلام.]، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها من جدعاء؟" [البخاري، واللفظ له.].
وقال الله في الحديث القدسي: "إنِّي خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين".
والشياطين اسم جنس لشياطين الإنس والجن، إذ للإنس شياطين يضاهون أو يفوقون في الضلال والفساد شياطين الجن.
ضرر قرناء السَّوْء على دين الصغار أكبر، وخطرهم أشد من ضررهم على مصالحهم الدنيوية، ولذلك عندما رأى يونس بن عبيد رحمه الله ابنه خارجاً من بيت المبتدع المعتزلي عمرو بن عبيد، قال له: (لئن رأيتك خارجاً من بيت هيتي [مخنث.] أحب إليَّ من أنْ أراك خارجاً من بيت عمرو بن عبيد.)، أو كما قال.
فالصغار لحداثة سنهم، وقلة تجربتهم، يحتاجون لمراقبة من يجالسون، ويصاحبون، فمن شبَّ على شيء شاب عليه.
فإذا رأيت الشاب يداخل أهل السسنة فارجه، و إذا رأيته يداخل أهل البدع والفسوق فيئس منه.
إذا كان مجالسة ومصاحبة الأخيار نفعت كلباً ألا تنفع الآدمي؟!.
قال الراغب الأصفهاني معلقاً على حديث: "مثل الجليس الصالح وجليس السَّوْء": (نبه بهذا الحديث على أنَّ حق الإنسان أنْ يتحرى بغاية جهده مصاحبة الأخيار، ومجالستهم، فهي قد تجعل الشرير خيِّراً، كما أنَّ صحبة الأشرار قد تجعل الخيِّرَ شريراً. قال الحكماء: من صحب خيِّراً أصاب بركته، فجليس أولياء الله [أولياء الله هم العلماء كما قال أبوحنيفة، والشافعي رحمهما الله: (إنْ لم يكن العلماء هم الأولياء فليس لله وليّ)، لأنَّ الشرط الأساس للولاية هو الاتباع، ولا يكون اتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ بالعلم الشرعي.] لا يشقى وإنْ كان كلباً، ككلب أصحاب الكهف،.... وقالوا: وإياك ومجالسة الأشرار، فإنَّ طبعك يسرق منهم، وأنت لا تدري، وليس إعداء الجليس جليسه بمقاله وفعاله فقط، بل بالنظر إليه، والنظر في الصور يورث في النفوس أخلاقاً مناسبة لخلق المنظور إليه، فإنَّ من دامت رؤيته لمسرور سُرَّ، وللمحزون حزن، وليس ذلك في الإنسان فقط بل في الحيوان والنبات.
فالجمل الصعب يصير ذلولاً بمقاربة الجمل الذلول، والذلول قد ينقلب صعباً بمقارنة الصعب، والريحانة الغضة تذبل بمجاورة الذابلة، ولهذا يلتقط أهل الفلاحة الرمم من الزرع لئلا تفسدها.
ومن المشاهد أنَّ الماء والهواء يفسدان بمجاورة الجيفة، فما الظن بالنفوس البشرية التي موضعها لقبول صور الأشياء خيرها وشرها؟، فقد قيل: سميَّ الإنسان لأنه يأنس بما يراه خيراً أو شراً) [فيض القدير جـ5/507.].
أمَّا أنْ يحرص الآباء والأولياء على مصالح الأبناء الدنيوية، والمعاشية ويغفلون مصالحهم الدينية الأخروية، فهذا من الظلم البيِّن والغبن الواضح لهم، ولمن يلونهم. نحو الحرص الشديد على مداومتهم في دراستهم النظامية التي أحسن أحوالها أنْ تكون من فروض الكفاية، وينهى، ويمنع، ويحذر من حضور العلوم الشرعية الواجب تعلمها بحجة أنَّها تشغله عن تأمين مستقبله المعاشي!!، أو لأوهام وظنون فاسدة عن بعض من يقومون بهذه الدروس، أوحذاراً من أنْ يعرضهم ذلك لمراقبة ومسائلة بعض رجال الأمن، ونحو ذلك من سفاسف الأمور، بينما لا يهمه أنْ يخال ويصاحب ابنه شياطين الإنس والجن، طالما أنَّ ذلك لا يضره في أمر معاشه، رداً لقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا" [التحريم:6.].
نماذج لتحسر وندامة ولعن قرناء السَّوْء في النار من الكفار لبعضهم البعض:
(1)    قوله تعالى: "الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ" [الزخرف:67.].
(2)    وقوله سبحانه: "وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا*يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا*لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا" [الفرقان:27-29.].
(3)    وقوله عزوجل: "قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيد*قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ" [ق:27-28.].
(4)    وقوله: "يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا*وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا*رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا" [الأحزاب:66-68.].
(5)    وقوله: "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [إبراهيم:22.].
(6)    وقوله سبحانه: "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ" [فصلت:29.].
صفة الجليس الصالح وجليس السَّوْء:
أصلح الأصحاب والجلساء هم العلماء، العاملون بعلمهم، المتقون لربهم، ويليهم العباد الأتقياء، الذين يعبدون الله على علم وبصيرة.
وشر الأصحاب والجلساء هم المبتدعة والفساق، الجرآء على الله ورسوله، الذين لا يصلحون ولا ينفعون، بل بالفساد يسعون، وللصد عن دين الله والحق يعملون.
فنِعمَ منْ وُفق لجليس صالح، وصديق عاقل فالح، ويئس من ابتلاه الله بجليس السَّوْء، ورفيق الضر.
والجليس الصالح والسَّوْء قد يكون رئيساً، أووزيراً، أومستشاراً، أوعالماً، أواستاذاً،أوزوجاً، أوكُتاباً، أوفضائية من الفضائيات، وما شابه ذلك.
(فالجليس الصالح يأمرك بالخير، وينهاك عن الشر، ويسمعك العلم النافع، والقول الصادق، والحكمة البالغة، ويبصرك آلاء الله، ويعرِّفك عيوب نفسك، ويشغلك عمَّا لا يعينك، وإذا كان مَلِكاً أوصاحب دنيا رفع قدرك، وأعلى منزلتك، وسدَّ خلتك، ثم لا تحتاج بعد الله إلى سواه، وإنْ ذكَّرته بالله طمع في ثوابه، واستعد بالصالحات للقائه، وإنْ خوفته عذاب الله، وعاقبة الظالمين، ومصارع الجبارين، كفَّ عن الإساءة، وترك الظلم وهو قادر عليه، واستغفر لذنبه، وامتنع من الشر وهو ميَّال إليه، ورعيته كلهم راضون عنه، ومحبون له، إذا دخلوا عليه أكرمهم، وإذا خرجوا من عنده سأل عنهم، وفكَّر فيما يعود بالخيرعليهم، وزيره، وأميره، وحاجبه، وخادمه، وسائر حاشيته، ومن في ولايته جميعاً صالحون، ولربهم عابدون، ولمليكهم عابدون مخلصون، والناس على دين ملوكهم، وإذا صلح الراعي صلحت الرعية، وكان الخلفاء الراشدون إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً.
يقف الواعظ بين يدي أحدهم فيقول ما يشاء، ويطلب إصلاح الأخطاء، ويهدي إلى سبيل الرشاد، فربما رأى من بكاء السامعين ما يبكيه، وشاهد منهم ما يرضيه.
وقال أبو جعفر المنصور يوماً لواعظ دخل عليه: عظني وأوجز، فقال: (لو كان الذي في يديك يبقى لك ما وصل إليك)، فأعجب المنصور بموعظته وأثنى عليه. وكذلك يقول لك ويسمعك جليسك الصالح، وأستاذك الصالح أيضاً، يجهد نفسه في تعليمك وتفهيمك، وإصلاحك وتقويمك، يطالبك بالعمل، وينتظر من ظاهرك ثمرة ما يغرس في باطنك، وإذا غفلت ذكّرك، وإذا اهملت أو مللت، بشرك وأنذرك، لا يخاطبك إلاَّ على قدر عقلك، ولا يكلفك من الأمر إلاَّ ما تطيق، يجيبك سائلاً، ويذْكرك غائباً، ويعتني بك حاضراً، ويراك أحد أولاده، وليس في الجلساء من ينفعك خيره، ويضرّك شرّه، كالأستاذ الذي يعد لك أباً ثانياً، وكما يكون هو تكون أنت.
  وإذا المُعَلِّم لم يكُـن عدلاً مشَـــى          رَدَحُ العدالةِ في الشباب ضئيلاَ
  وإذا المُعَلِّم سـاء لَحْظَ بصيــــرةٍ           جاءت على يده البصائر حُولَا
  وإذا أتى الإرشادُ من سَبَبِ الهَوَى        ومن الغرور فسمـــه التضليـلا
   وإذا أُصِيب القَـوْمُ في أَخْلاقِهِـــمْ          فَأَقِمْ عَلَيْهِـــــــمْ مَأْتَمَـاً وَعَوِيــلَا
 أمَّا إذا كان الجليس مثلك أو دونك، فهو الذي يسد خلتك، ويغفر زلتك، ويقيل عثرتك، ويستر عورتك، وإذا اتجهت إلى الخير حثَّك عليه، ورغبَّك فيه، وبشرك بعاقبة المتقين، وأجر العاملين، وقام فيه معك، وكان لك عوناً عليه، وإذا تكلمت سوءاً أو فعلت قبيحاً زجرك عنه، ومنعك منه، وحال بينك وبين ما تريد، وطهَّر قلبك من الخبث، ولسانك من الفحش، وقال لك: اعرض عن هذا، واستغفر لذنبك، إنك كنت من الخاطئين، وصالح إخوانك لا يمل قربك، ولا ينساك على البعد، يسرّك إذا حضرت بحديثه، ويرضيك بأفعاله، ويشهد بك مجالس العلم، وحلق الذكر، وبيوت العبادة، ويزين لك الطاعة بالصلاة، والصيام، والحج، والإنفاق في سبيل الله، وكفِّ الأذى واحتمال المشقة، وحسن الجوار، وجميل المعاشرة، ويقبح لك المعصية، ويذكر ما يعود به الفساد عليك من الويل والشقاء في عاجل الأمر وآجله، ويضرب لك الأمثال بفلان الذي شقى بعد السعادة، وذلّ بعد العزّة، وافتقر بعد الغنى، ومرض بعد العافية، لأنه كان يصرف الأموال في الفساد، ويستعين بسلطانه على الظلم والاستبداد، وكان صحيحاً قوياً، وشاباً فتياً، فشرب الخمر، وزنى ولاط، فاحترقت كبده، وتمزقت رئتاه، وأصيب بالسيلان والجذام، ولَعذاب الآخرة أشد وأبقى.
وما زال ينفعك، ويرفعك، ويزجرك، ويردعك، حتى يكون كبائع المسك، وأنت المشتري، ولصلاحه لا يبيع عليك إلاَّ طيِّباً، ولا يعطيك إلاَّ جيداً، ولا يأخذ منك إلاَّ ثمناً قليلاً، وإنْ أبيت الشراء، وامتنعت من الأخْذ، طيَّبَك بيديه، وصبَّ عليك العطر، فلا تمر بشارع، ولا تسلك طريقاً إلاَّ وعبق منك الطيب، وملأت به المعاطس والأنوف، فتعود إليه مشترياً، أو ليحذيك بعطره، ومسكه، وعنبره، وهكذا.
وهذا مثل العالم الذي لابد أنْ تحفظ  عنه شيئاً إذا تكلم، فإن عملت به فقد اشتريت، وإلاَّ فقد أعجبك ما عنده، وستعود إليه.
أمَّا مثل العابد فهو مثل من لا يعطيك شيئاً من المسك، ولكنك تجد منه العَرْفَ الشَّذِيَّ، والرائحة الطيبة، فإذا رأيت زهده وتقواه، واستقامته في دينه ودنياه اقتديت به، وكانت لك فيه أسوة حسنة.
   وَإِذَا نظَرْتَ إِلَيْهِ عِنْدَ قِيَامِهِ          في اللَّيْلِ قُلَتَ الْبَدْرُ بَاتَ مُصَلِّياَ
   وَيَظَلُّ يَكْتَسِبُ الْحَلاَلَ وَإنَّهُ          لَعَلَى الشَّرِيعَــــةِ مُقْبِـلاً ومُوَلِّيَـا
وأولئك هم القوم الذين لا يشقى بهم جليسهم، تنزل عليهم الرحمة فيشاركهم فيها، ويهم بالسوء فلا يقوله، ولا يستطيع فعله، إمَّا مخافة من الله، وإمَّا حياءً منه.
وأمَّا قرين السَّوْء فإنك إنْ لم تشاركه في إساءته، أخذت بنصيب وافر من الرضا بما يصنع، والسكوت على شَرَّه، تخاف منه وتحذره، وتحتاط لحفظ كرامتك من أنْ يمزقها، أويسمعك عن نفسك، وفلان الاخر ما لا تحب، وأنت لا تبدى ولا تعيد، وإنْ رضيت بصنيعه، فهو كنافخ الكير على الفحم الخبيث، وأنت جليسه القريب منه يحرق بدنك وثيابك، ويملأ أنفك بالروائح الكريهة، وأنت وإيّاه في الإثم سواء، ومن أعان على معصية ولو بشطر كلمة كان شريكه فيها، والسكوت على الشيء رضاء به.
وكل ما لا يحل فهو من اللغو الذي مدح الله تاركيه بقوله تعالى: "وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ" [القصص:55.].
وقد يكون الجليس السَّوْء فاجراً قوياً لا تستطيع نهيه عن المنكر، ولا تقدر على مراجعته، فخير لك الابتعاد عنه لئلا تكون في معصيتين: السكوت على الباطل، والمرافقة أهله.
وفي مجالس الشر تقع الغيبة، والنميمة، والكذب، واللعن، وكل كلام فاحش، ويقع اللهو والطرب، وممالأة الفساق، ومجاراتهم على الإسراف في الإنفاق، والخوض في الباطل: "وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" [الأنعام:68.]) [انظر إصلاح المجتمع للبيجاني صـ362-365.].
والله الموفق للخيرات، ورسوله الهادي إلى أقوم الصراط.
اللهم هب لنا من الجلساء والأصحاب من يكون عوناً لنا على أمور ديننا ودنيانا، واصرف قرناء السَّوْء وعمن يلينا، لا يصرف ذلك إلاَّ أنت، وصلى الله وسلم وبارك على من بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم ما تعاقب الليل والنهار.