من كتب الشيخ

❱❱ ذهاب إلى المكتبة

العذاب الأليم المهين لمن يصافح مَنْ لا تحل له مصافحتها من الحريم2012-10-23

الحمد لله القائل: "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [سورة النور: 63]. والقائل: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" [سورة الحشر: 7]. وصلى الله على رسوله الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى القائل: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" [البخاري].
فويل ثم ويل لمن يخالفون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالهوى، والتأويلات الباطلة، والتعصب والتقليد المقيت، ويتأوبون ويستنكفون عن طاعته.
أتدري اخي الحبيب ما الفتنة التي توعد الله بها من تعمد مخالفة أمر حبيبه؟ هي الشرك كما قال الإمام أحمد رحمه الله.
فليبشر وليهنأ المخالفون لأمره، المتمردون على شرعه، المستكبرون المستنكفون عن طاعته بذلك، فإنه آت وكل آت قريب.
أما بعد...
فما حكم مصافحة المرأة الأجنبية؟ وما دليل ذلك؟ وما الوعيد الذي وُعِدَ به المصافحون؟ وهل حقاً أن عدم مصافحة المرأة الأجنبية من خصائص سيد البرية كما يقول ذلك من لا خلاق له مكذباً على الله ورسوله ومدلساً وفاتناً ومنافقاً لبعض السذج والمغفلين؟ وهل هناك فرق بين مصافحة المتجالة والفتية؟ وهل يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم الأعراف والتقاليد والعادات البالية الجاهلية على ما جاء به من ختمت به الرسالة، وأكمل به الدين، وتمت به النعمة، فيخشى الناس والله أحق أن يخشاه إن كان تقياً؟
هذا ما نريد بيانه وتوضيحه وتجليته لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة فنقول:
حكم مصافحة المرأة الأجنبية
حكم مصافحة المرأة الأجنبية، وهي كل ما يحل لك زواجها، قريبة كانت أم أجنبية، جارة كانت أم تسكن في محلة قصية؟ زميلة كانت في الدراسة أو العمل، أو أمينة سرٍ لك (سكرتيرة)، عجوزاً كانت أم شابة فتية، دميمة كانت أم فاتنة حرام، من كبائر الذنوب بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أدلة الحكم
أدلة تحريم مصافحة المرأة الأجنبية السنة القولية والفعلية، وإجماع الأمة المعصومة المحمدية وإليك طرفاً من لذك:
الدليل الأول: عن أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  في نسوة بايعنه على الإسلام، فقلن: نبيعك يا رسول الله على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي بهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فيما استطعتن وأطقتن"، قالت: فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا هلم نبايعك يا رسول الله. فقال: "إني لا أصافح النساء إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة") [صحيح سنن الترمذي للألباني رقم: [1597] وأحمد جـ6/357 ومالك].
هذا هو الدليل العمدة في حرمة مصافحة المرأة الأجنبية، فكون الرسول المعصوم المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لم تمس يده يد امرأة أجنبية في مبايعته للنساء، فمن باب أولى من دونه، فلو حلت المصافحة لبشر لحلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
ودعوى أن ذلك من خصائصه كذب وبهتان وإفك وافتراءات عليه صلى الله عليه وسلم، وذلك ان خصائصه مدونة محفوظة، فلم يذكر أحد من العلماء المقتدى بهم أن ذلك مما خص به دون الأمة.
الدليل الثاني:عن عروة: (أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الاَية: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " [سورة الممتحنة: 12].
قال عروة: قالت عائشة: فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات قال لها رسول الله: "قد بايعتك كلاماً"، ولا والله ما مست يده يد امرأة في المبايعة قط، وما يبايعهن إلا بقوله: "قد بايعتك على ذلك") [البخاري في صحيحه رقم: [2713] في كتاب الشروط].
وعند مسلم قالت عائشة: (والله ما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء قط إلا بما أمره الله عز وجل، وما مست كف رسول الله صلى الله عليه وسلم كف امرأة قط).
هذا هو الصحيح المعتمد في مبايعته صلى الله عليه وسلم للنساء.
هناك أقوال ضعيفة ليس لها خطام ولا زمام يتشبث بها أصحاب الأهواء ليجوزوا بذلك ما تهواه نفوسهم، وما تنطوي عليه عقولهم الباطنة ذكرها الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية جـ16/71 لا بد من ذكرها حتى لا يغتر بها هواة تتبع الهفوات والزلات والأقوال المعتلة هي:
1.    بايعنه وبين يديه وأيديهن ثوب!!!
2.    جعل يشترط على النساء البيعة وعمر يصافحهن!!!
3.    أنه كلف امراة وقفت على الصفا فبايعتهن!
4.    أنه أرسل إليهن عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلم فرددن عليه السلام، فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكن؛ ألا تشركن بالله شيئاً. فقلن: نعم، فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت. ثم قال: اللهم اشهد.
5.    أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء، فغمس يده فيه، ثم أمر النساء فغمسن أيديهن فيه.
ختم الإمام القرطبي بعد حكايته هذه القوال الضعيفه المتكلفة بحكم ابن العربي المالكي عليها بقوله: (وذلك ضعيف وإنما ينبغي التعويل على مافي الصحيح).
الدليل الثالث: عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط خير له من أن يمس امراة لا تحل له" [حديث حسن رواه الطبراني جـ2/274 والبيهقي وحسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة رقم:[226] قال المناوي في فيض القدير جـ5/259 قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح]. وقال الشيخ الألباني رحمه الله: (وفي الحديث وعيد شديد لمن لمس امراة لا تحل له، ففيه دليل على تحريم مصافحة النساء) [السلسلة الصحيحة جـ1/396].
قلت: إذا كان هذا الوعيد لمجرد اللمس، فكيف بالمصافحة التي فيها ضغط على الأكف؟ بل كيف بالمعانقة؟ بله كيف بالتحية بالقُبَل التي يباشرها من لا خلاق له ويحيي بها من يلقاه من النساء الأجنبيات بينما لا يُقَبل أُمَّه ولا أباه ولا أجداده ولا أحفاده؟!!
الدليل الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كُتِب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة: العينان زناهما النظر، والأُذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجل زناها الخُطَا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفَرْج أو يكذبه" [البخاري في كتاب الاستئذان رقم: [6243] ومسلم رقم: [2657]].
قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: (معنى الحديث أن ابن آدم قُدِّر عليه نصيب من الزنا، فمنهم من يكون زناه حقيقيا بإدخال الفَرْج في الفَرْج الحرام، ومنهم من يكون زناه مجازاً بالنظر الحرام أو الاستماع إلى الزنا وما يتعلق بتحصيله، أو بالمس باليد بأن يمس أجنبية بيده، أو يقبلها، أو بالمشي بالرِّجل إلى الزنا، أو النظر، أو اللمس، أو الحديث الحرام مع أجنبية، ونحو ذلك، أو بالفكر بالقلب) [صحيح مسلم بشرح النووي جـ8/457].
فتاوى العلماء في تحريم مصافحة المراة الأجنبية:
1.    سئل الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله: ما حكم مصافحة المرأة الأجنبية، وإذا كانت تضع على يدها حاجزاً من ثوب أو غيره فما الحكم؟ وهل يختلف إذا كان المصافح شاباً أو شيخاً أو كانت المراة عجوزاً؟ فأجاب: (لا تجوز مصافحة النساء غير المحارم مطلقاً سواء كن شابات أو عجائز، وسواء كان المصافح شابا ً أم شيخاً كبيراً، لما في ذلك من خطر الفتنة لكل منهما ... ولا فرق بين كونها تصافحه بحائل أوبغير حائل لعموم الأدلة ولسد الذرائع المفضية إلى الفتنة) [فتاوى كتاب الدعوة جـ1/184 ـ 185] وقد ذكر الأدلة التي ذكرناها.
2.    وسئل الشيخ العثيمين رحمه الله: هل يجوز للرجل مصافحة المرأة الأجنبية؟ فأجاب: (هناك تعليل وهو أن كل شيء يوجب الفتنة بين الرجل والمرأة فإنه محرم لقول رسول الله: "ما تركت بعدي فتنة أَضر على الرجال من النساء" ولا ريب أن التماس جلد الرجل والمرأة سيحدث فتنة إلا في الشيء النادر، والنادر كما يقول أهل العلم: لا حكم له. وقد كتب أهل العلم في تلك المسألة وبينوا أنه لا يحل للرجل مصافحة المراة الأجنبية وهذا هو الحق أنه لا يحل له ذلك بحائل ولا بدون حائل) [عن مجلة المسلمون عدد 2].
3.    الشيخ صالح الفوزان: سئل حفظه الله ما حكم مصافحة النساء الأجنبيات؟ فأجاب: (لا يجوز للرجل أن يصافح المراة التي لا تحل له لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما مست يده يد امرأة قط لا تحل له. ولما بايع النساء بايعهن بالكلام ولم يبايعهن بالمصافحة كما كان يفعل ذلك مع الرجال ... ودين الإسلام دائماً يبعد الإنسان عن أسباب الفتنة ويحرص على سد الطرق الموصلة إلى الشر، وتحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات وهذا منها. فلا يجوز للرجل ان يصافح امرأة أجنبية) فتاوى نور على الدروب ص113].
الناس في مصافحة النساء وسط وطرفا نقيض
الناس عامة في مصافحة المرأة مُحَرَّمة كانت أم أجنبية ثلاثة أصناف، وسط وطرفا نقيض:
1.    فمنهم من لا يصافح حتى المحارم، نحو الأخت، والعمة، والخالة بحكم العادة والتقليد وهم بعض قبائل في إفريقيا وآسيا.
2.    ومنهم من لا يتورع عن مصافحة أي امرأة أَجنبية كانت أم محرمة عليه، بل هم في مصافحة الأجنبيات أرغب منهم في مصافحة المحارم. فهؤلاء طرفا نقيض.
3.    الصنف الثالث هم الوسطْ، فهم الملتزمون بالشرع المتقيدون به، يصافحون المحارم ويمتنعون عن مصافحة سواهن من الأجنبيات وهكذا فالحسنة بين سيئتين، وخير الأمور أوسطها.
التشنيع بمن لا يصافح النساء الأجنبيات
لم يكتف البعض من الرجال والنساء بعدم التزامهم بالشرع، وباستهانتهم بالزجر والمنع والنهي الوارد عن صاحب الشريعة، بل إنما يزدادون إثما بالتشنيع والذم بمن لا يصافح من الرجال والنساء ويصفون من لا يصافح من الجنسين بأنه متشدد! مريض القلب، وإلا لو كان قلبه سليماً معافى لما امتنع عن ذلك كما يزعمون، وكما قيل: رمتني بدائها وانسلت. وقديماً شكا عمر رضي الله عنه من جلد الفاجر وضعف التقي.
وفي المقابل نجد بعض الأخيار يستكينون ويضعفون عن الذب والدفع عن الملتزمين.
وأعجب من هذا وذاك غضب البعض نساءاً ورجالاً ـ والنساء أكثر ـ ممن لا يصافح واتخاذ مواقف منه.
مصافحة المراة الأجنبية حرام سواء كان المصافح سليم القلب معافى أو مريضاً مبتلى، فليس هناك قلوب أسلم من قلب سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام ومع ذلك امتنعوا عنها وحذروا منها.
هذا مع يقيننا التام أن كثيراً من الذين يصافحون يفعلون ذلك بحكم العادة والتقاليد فمنهم البرآء ومنهم من هم دون ذلك.
فالمسلم مطالب بالالتزام بالأوامر الشرعية عملاً بقوله عز وجل: "إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [سورة النور: 51]، ولهذا عندما سمع عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وهو عند باب المسجد، رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اجلس، جلس عند الباب، وعندما سئل عن ذلك قال: سمعتك قلت اجلس، فجلست.
تقديم الأعراف والتقاليد على شرع الله
من الأمور التي عمت بها البلوى في هذه العصور المتأخرة، وبَعُدَت بسببها الشقة بين المسلمين ودينهم تقيدم الأعراف والتقاليد على الأوامر الشرعية، وكثير من السنن المرعية، في الأفراح والأتراح وغيرها.
تقليد الآباء والأجداد والمجتمعات (فيه إحياء لسنة الجاهليين) القائلين: "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ" [سورة الزخرف: 23].
فكثير من المخالفات الشرعية والعادات الضارة المكلفة يفعلها البعض مجاراة للمجتمع وخوفاً من نقدهم.
ومن العجيب الغريب أن لا يقوى المرء على مخالفة عادة جاهلية ضارة بينما يقترف ويرتكب كثيراً من المخالفات الشرعية النافعة.
ينبغي للمسلم أن يتحرر من هذه العبودية وأن لا يكون أسيراً للعادات والتقاليد والأعراف الجاهلية المخالفة لما جاء به سيد البرية، وإلا فهو موعود بقوله تعالى: "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [سورة النور: 63].
ونقول للذي لا يقوى على مخالفة ما وجده في مجتمعه وورثه عن الآباء والأجداد من العادات البالية هل تقوى على أن تطعن بِمِخْيَط إبرة ـ أو مسلة في أمي رأسك كلما مسست جزءاً من امراة أجنبية كما حكم بذلك رسولك؟ إن كنت موقناً بأن ما قاله حق وأنه لا ينطق عن الهوى؟ أما إن كنت شاكاً في ذلك فالمصيبة أعظم؟
حكم السلام على النساء الأجنبيات إن لم يكن بينهن ذات محرم بالكلام
من أهل العلم من أجازه للمتجالات إذا أمنت الفتنة ومنع من ذلك للشابات.
ومنهم من منعه جملة للمتجالة والشابة سداً للذريعة هذا إذا كن جماعة.
أما المراة الواحدة فلا يجوز للرجل الواحد أن يسلم عليها، وإن سلمت عليه فلا يرد عليها السلام وهي كذلك. وكذلك إن عطست لا يشمتها وإن عطس هو لا تشمته.
 قال الإمام القرطبي رحمه الله في تاويل قوله تعالى: "وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا" [سورة النساء: 86]: (وأما التسليم ـ بالكلام ـ على النساء ـ جماعتهن ـ فجائز إلا على الشابات منهن خوف الفتنة من مكالمتهن بنزغة شيطان أو خائنة عين. وأما المتجالات  ـ المتجالة: الهرمة المسنة ـ والعجز فحسن للأمن فيما ذكرناه، هذا قول عطاء وقتادة، وإليه ذهب مالك وطائفة من العلماء. ومنعه الكوفيون ـ أبو حنيفة والثوري ونحوهما ـ إذا لم يكن منهن ذوات محرم وقالوا: لما سقط عن النساء الأذان والإقامة والجهر بالقراءة في الصلاة سقط عنهن رد السلام فلا يسلم عليهن. والصحيح الأول لما خرجه البخاري عن سهل بن سعد قال: كنا نفرح بيوم الجمعة. قلت: وَلِمَ؟ قال: كانت لنا عجوز ترسل إلي بِضَاعة - قال ابن مسلمة: نخل بالمدينة ـ فتأخذ من أصول السلق فتطرحه في القدر وتكركر حبات من شعير ، فإذا صلينا الجمعة انصرفنا فنسلم عليها فتقدمه إلينا فنفرح من أجله: وما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة: تكركر أي تطحن؛ قاله القتبي) [الجامع لأحكام القرآن جـ5/302].
وقال السبكي: (قال السهرودي في (عوارف العوارف) المطبوع بهامش إحياء علوم الدين جـ2/255 ـ 256: (اتفق أصحاب الشافعي أن المرأة غير المحرم لا يجوز الاستماع إليها، سواء كانت حرة أم مملوكة، مكشورة الوجه ـ مكشوفة ـ أو من وراء حجاب. قال السبكي: والمشهور في المذهب الصحيح عند المتأخرين، أن الاستماع إلى الأجنبية ـ ولو كان قرآناً ـ مكروه كراهة شديدة غير محرم) [الطبقات الكبرى للسبكي جـ8/341].
عجباً لأصحاب المذاهب الذين يقدمون ويشهرون قول المتأخرين على قول المتقدمين وإن كان قول إمام المذهب!!!
رحم الله أبا شامة الشافعي حيث ذم تقديم قول المتاخرين على المتقدمين بل على قول أعلم الخلق أجمعين سوى الأنبياء والمرسلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما قائلاً: (ومن العجب أن كثيرا منهم إذا ورد على مذهبهم أثر عن بعض أكابر الصحابة يقول مبادراً بلا حياء ولا حشمة: مذهب الشافعي الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة!! ويرد قول أبي بكر وعمر ولا يرد قول أبي إسحاق والغزالي،
ومع هذا يرون مصنفات أبي إسحاق وغيره مشحونة بتخطئة المزني وغيره من الأكابر في ما خالفوا فيه مذهبهم، فلا تراهم ينكرون شيئا من هذا فإن اتفق أنهم سمعوا أحداً يقول أخطأ الشيخ أبو إسحاق في كذا بدليل كذا وكذا انزعجوا وغضبوا ويرون أنه ارتكب كبيراً من الإثم فإن كان الأمر كما ذكروا فالأمر الذي ارتكبه أبو إسحاق أعظم فما بالهم لا ينكرون ذلك ولا يغضبون منه لولا قلة معرفتهم وكثرة جهلهم بمراتب السلف) [مختصر كتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول لأبي شامة "396هـ ـ 665 هـ"].
ما قاله أبو شامة رحمه الله هو سلوك جل مقلدة المذاهب.
قلت: يجوز الاستماع إلى المرأة الأجنبية ومخاطبتها إذا دعت الحاجة لذلك فالضرورات تبيح المحظورات والضرورة تقدر بقدرها والله أعلم.
الموفق من أوتي قلباً سليماً من الشبه والشهوات، ووفق للاستضاءة بنور الكتاب والسنة على فهم الصحابة والتابعين لهم بإحسان في القرون الثلاثة الفاضلة.
واعلم أخي الكريم أن هذا العلم دين فانظر ممن تأخذ دينك كما قال مالك وابن سيرين.
كان يونس بن عبيد رحمه الله المتوفى 140هـ يوصي بثلاث يقول: (لا تدخل على السلطان ـ إلا إن كان من أمثال عمر وعمر ـ وإن قلت: آمره بطاعة الله. ولا تدخل على امرأة وإن قلت: أعلمها كتاب الله، ولا تضع أذنك على صاحب بدعة، ولو قلت أرد عليه.
أمر بالاحتراز من أسباب الفتنة، فإن الإنسان إذا تعرض لذلك فقد يفتن ولا يسلم) [مجموع الفتاوى لابن تيمية جـ10/577].
مصداقاً لما قاله يونس بن عبيد قال الذهبي رحمه الله في ترجمة الخارجي الخبيث عمران بن حَطَّان عن ابن سيرين قال: تزوج عمران خارجية، وقال سأردها، قال: فصرفته إلى مذهبها. فذكر المدائني أنها كانت ذات جمال، وكان دميماً فأعجبته يوماً فقالت: أنا وأنت في الجنة، لأنك أعطيتَ فشكرتَ وأبتليتُ فصبرتُ) [سير أعلام النبلاء للذهبي جـ4/214].
عليك أخي المصافح أن تبادر بالتوبة عن ذلك ولا يستخفنك الذين لا يعقلون وإن ضعفت وعدتَ فتب أيضاً ولا تقنط من رحمة الله فإنه يغفر الذنوب جميعاً أو هكذا إلى أن يتوب الله عليه، لكن المصيبة العظمى والطامة الكبرى على الذين يستحلون ما حرم الله ويتجاسرون على مخالفة الأوامر الشرعية ويتخذون إلههم هواهم. نعوذ بالله من أحوال أهل النار.
عليك أخي المسلم أن تفر من أصحاب البدع الكفرية وما أكثرهم، لا كثَّر الله من أمثالهم فرارك من الأسد بل أشد، دعك أن تتخذ أحداً منهم إماماً أو رئيساً تقتدي به وتقلده دينك.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.