كتمان السر وعدم إفشائه

ما ورد في فضل كتم السر وعدم إفشائه

ما يتعين كتمانه من الأسرار ويحرم إفشاؤه

 

من الأخلاق الحميدة والصفات الفاضلة كتم السر وعدم إفشائه، ولا يقدر على ذلك إلا ذوو الشهامة والمروءة، ولهذا قيل: أدنى صفات الشريف كتم السر، وأعلاها نسيان ما أسرَّ به إليه، وقيل صدور الأحرار قبور الأسرار.

أما أولئك المفشون للأسرار الناشرون لما استودعوا من الأخبار فليس لهم مثل إلا المنخل أوالغربال، فالحذر كل الحذر أن تفشي سرك وتبوح بما يهمك، خاصة لمن لو عهد إليه بأمر يخفيه أوسر يكتمه لضاق به صدره وبالغ في إفشائه ونشره، ولهذا جاء في الأثر: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود".

ما ورد في فضل كتم السر وعدم إفشائه 1

روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أسرَّ إلى أخيه سراً فلا يحل له أن يفشيه عليه"، كما قال ابن عبد البر.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من كتم سره كان الخيار بيده، ومن عرَّض نفسه للتهمة فلا يلومنّ من أساء الظن به".

وقال: "ما أفشيتُ سري إلى أحد قط فأفشاه فلمته، إذ كان صدري به أضيق".

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "القلوب أوعية، والشفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كل إنسان مفتاح سره".

وقال العباس بن عبد المطلب لابنه عبد الله رضي الله عنهما: "يا بُنيّ إن أمير المؤمنين يدنيك ـ يعني عمر ـ فاحفظ عني ثلاثاً: لا تفشينّ له سراً، ولا تغتابنّ عنده أحداً، ولا يطلعنّ منك على كذبة".

وقال أكثم بن صيفي: "إن سرك من دمك، فانظر أين تريقه".

وقيل: احفظوا أسراركم كما تحفظون أبصاركم.

وقيل: أكثر ما يتم به التدبير الكتمان.

وقيل: لا تطلعوا النساء على سرِّكم، يصلح لكم أمركم.

وأسرَّ رجلٌ إلى رجلٍ سراً، فلما فرغ قال له: حفظتَ؟ قال: بل نسيتُ.

ما يتعين كتمانه من الأسرار ويحرم إفشاؤه

كتمان السر واجب وإفشاؤه حرام، ويزداد الأمر حرمة والإفشاء خطورة إذا ترتبت عليه أضرار ونتجت منه أشرار، سواء كانت على صاحب السر أو غيره، ولهذا يتعين ويتحتم كتم السر وعدم إفشائه، خاصة في الآتي:

1.  المجاهرة بالمعاصي لمن ستره ربُّه

أعظم الأسرار التي يجب كتمانها ويحرم إفشاؤها الإخبار بما يقترفه المرء من معاصي وآثام وقد ستره الكريم المنان، والتحدث والتبجح بذلك، ومن ألف المعصية وتعوَّدها هان عليه أمرها، فالمجاهرة بالمعاصي تشمل فعلها أمام الآخرين أو إخبارهم بها.

صح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلُّ أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان، عملتُ البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربُّه وأصبح يكشف ستر ربه"، فهؤلاء من أخبث الناس نفساً، وأجرئهم على محاربة الله ومبارزته بالمعاصي.

وأخبث من هؤلاء نفساً، وأعظم جرماً، وأكثر جهلاً، من يطلبون ممن يتوبون على أيديهم عند الدخول في طرائقهم أن يعترفوا أمامهم بكل ما اجترحوا من آثام، وارتكبوا من طوام، فهؤلاء أشدُّ وعيداً من أولئك المعترفين المغرَّر بهم.

2.  المجاهرة بما يدور بين الزوجين من الرفث والقول والفعل

من أعظم الأسرار التي يجب كتمانُها ويحرم نشرها والإباحة بها ما يدور بين الزوج وزوجه عند المضاجعة، وقد عدَّ رسول الله صلى هذا الصنف من الأزواج من شر الناس منزلة، وأحقرهم مكانة، وأرذلهم نفساً، فقال: "إن من شرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجلُ يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر أحدُهما سرَّ صاحبه"2، وفي رواية: "إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجلُ يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرَّها".

واجتمع يوماً عنده الرجالُ والنساءُ، فقال صلى الله عليه وسلم: "لعل رجلاً يقول ما فعل بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها"، فسكتَ القومُ، فقالت امرأة: إي والله يا رسول الله إنهم ليفعلون، وإنهن ليفعلن؛ قال: "فلا تفعلوا، فإنما مثل ذلك مثلُ شيطان لقي شيطانة فغشيها والناس ينظرون".3

3.  وصف المرأة محاسن امرأة أخرى لزوجها أو لغيره من الرجال

من الأسرار التي يحرم إفشاؤها أن تصف المرأة وتخبر زوجها أوغيره من الرجال بمحاسن امرأة حتى تغريه بها وتشوقه إليها، أوتذكر له قبح أخرى ودمامتها حتى يمقتها ويعيب على زوجها معاشرتها، وقد قال صاحب الخلق العظيم، والهادي إلى الصراط المستقيم، محمد بن عبد الله سيد الأولين والآخرين، ناهياً عن ذلك ومحذراً منه: "لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتصفها لزوجها كأنه ينظر إليها".4

ولا بأس أن تذكر المرأة حال الأخرى، وما هي عليه من خلق فاضل، أوصفة تستحق معها المساعدة والعون، وإنما يحرم ذكر أوصافها الجسمانية، من قوام، وقد، وخد، وفم، وأنف، وطرف، وكف، كأنها مصوِّر تنقش بريشة لسانها على قلب الرجل صورة يكاد يراها كلما قام، وقعد، ودخل، وخرج.

4.  لا يحل للأجراء والوكلاء كشف سر المهنة وشؤون التجارة

من الأسرار التي يجب حفظها ولا يحل كشفها لغير أصحاب العمل المعنيين بذلك أيضاً، فلا يحل مثلاً لموظف، ولا مهندس، ولا فني، ولا مدير مبيعات، ونحوهم أن يبيحوا بأسرار المهن المتعلقة بمن يعملون معهم، خاصة عند التخلي عن أصحاب هذه الأعمال، وإن فعلوا ذلك فقد خانوا الأمانة.

5.  كشف الامتحانات ونتائجها

من أعظم الأسرار التي يجب المحافظة عليها من ائتمنتهم الأمة على وضع الامتحانات، وعلى طبعها، وحراستها، وترحيلها، ومراقبتها، وتصحيحها، فلا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبوح بشيء من ذلك، أوأن يفرط، كي لا يتمكن أحد من ضعاف النفوس أن يسرِّب شيئاً منها.

6.  لا يحل للطبيب أوالمعالج أن يكشف العاهات والأمراض التي يسرُّ لهم بها بعضُ المرضى

من الأسرار التي يحرم كشفُها والتحدث بها لأي إنسان ما يطلع عليه الطبيب والمعالج من بعض المرضى من عاهات، أوما يعلمه الأطباء والفحيصون وفنيو الأشعة من نتائج، إلا لمصلحة عامة.

فلا يحل لهؤلاء هتك ستر المرضى ولا إفشاء سرهم.

7.  على المفتي أن لا يبوح ويكشف ما يخبره به المستفتون

لا يحل لمن استفتاه إنسان وبين له بعض ما لا يحبُّ أن يطلع عليه الناس أن يكشف ذلك أويتحدث به إلى أي إنسان مهما كانت مكانته ومنزلته.

8.  المستشار مؤتمن

كذلك إذا استشار مسلم مسلماً في أمر من الأمور فلا يحل له كشف ذلك الأمر وإفشائه، فإن فعل ذلك فقد خان الأمانة ولم يكن أهلاً للمشورة.

9.  أمناء السر "السكرتيرون"

من اتخذه مسؤول أميناً لسره فلا يحل له أن يبوح بشيء من ذلك، ولا يُطلِع أحداً على ما ائتمِن عليه، وعليهم الاقتداء بالصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، الذي اتخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم أميناً لسره في المنافقين، فما كان يخبر أحداً بواحد منهم، وعندما أقسم عليه عمر وقال: ناشدتك بالله، هل سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا؛ وعندما قال له: هل في عمالي أحد منهم؟ قال: نعم؛ ولم يخبره به، فعزله عمر كأنما دُلَّ عليه.

10. المقالات والبحوث التي ترسل للنشر

فلا ينبغي للمسؤولين أن يكشفوا سرها حتى تنشر.

11. لجان الترقيات ومجالس التأديب

عليهم أن لا يفشوا سراً متعلقاً بذلك.

12. على صاحب النعمة أن لا يبوح بها إلا لصديق حميم

عليك أخي المسلم إن كنت ممن أنعم الله عليهم أن تعمل بوصية يعقوب عليه السلام ليوسف: "قال يا بُنَيَّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين".5

13. من أصابته مصيبة في أهل أومال عليه أن يجتهد في كتمها، فلا يغم بها صديقاً ولا يسرُّ بها عدواً.

14. ستر ذوي المروءات ومستوري الحال

كذلك من الأمور التي يجب سترها ويحرم إفشاؤها لمن اطلع عليها ما يصدر من ذوي المروءات ومستوري الحال من زلات، وهفوات، وهنات، لمن اطلع على ذلك، مهما كانت، وذلك لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك: "أقيلوا ذوي العثرات عثراتهم"، أوكما قال.

وأخيراً اعلم أخي الكريم أن من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة، ومن فضح مسلماً فضحه الله بين الخلائق، ومن أقال عثرة مسلم أقال الله عثرته وستر زلته.

  بداية الصفحة